أحمد بن محمد القسطلاني
179
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
أن التأذين الثاني ) هو ثان بالنظر إلى الأذان الحقيقي ، ثالث بالنظر إليه والإقامة ( يوم الجمعة أمر به عثمان - حين ) ولأبي ذر والأصيلي : أمر به عثمان بن عفان حين ( كثر أهل المسجد - ) النبوي ، في أثناء خلافته ( وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام ) على المنبر . وهو يردّ على الكوفيين حيث قالوا : الجلوس على المنبر عند التأذين غير مشروع ، والحكمة للجمهور في سنيته سكون اللغط ، والتهيؤ للإنصات لسماع الخطبة ، وإحضار الذهن للذكر والموعظة . 25 - باب التَّأْذِينِ عِنْدَ الْخُطْبَةِ ( باب التأذين عند ) إرادة ( الخطبة ) . 916 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ : " إِنَّ الأَذَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ أَوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رضي الله عنهما - فَلَمَّا كَانَ فِي خِلاَفَةِ عُثْمَانَ - رضي الله عنه - وَكَثُرُوا - أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ ، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ ، فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ " . وبه قال : ( حدّثنا محمد بن مقاتل ) المروزي ( قال : أخبرنا عبد الله ) بن المبارك ( قال : أخبرنا يونس ) بن يزيد ( عن ) ابن شهاب ( الزهري ، قال : سمعت السائب بن يزيد ) الكندي ( يقول : إن الأذان يوم الجمعة ) قبل أمر عثمان بالأذان ( كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر ) قبل الخطبة ( في عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وأبي بكر ، وعمر رضي الله عنهما ، فلما كان في خلافة عثمان ، رضي الله عنه ) ، وللأصيلي زيادة : ابن عفان ( وكثروا ) أي : الناس ( أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث ) أول الوقت عند الزوال ، فهو ثالث بالنسبة لإحداثه ، وإلاّ فهو الأوّل وجودًا . كما مر . ( فأذن به ) بضم الهمزة ، مبنيًّا للمفعول ( على الزوراء ، فثبت الأمر ) في الأذان ( على ذلك ) أي : على أذانين وإقامة في جميع الأمصار ، ولله الحمد . 26 - باب الْخُطْبَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَقَالَ أَنَسٌ - رضي الله عنه - : خَطَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ . ( باب ) مشروعية ( الخطبة ) للجمعة وغيرها ( على المنبر ) بكسر الميم . ( وقال أنس ) هو ابن مالك ، مما وصله المؤلّف في : الاعتصام والفتن مطوّلاً : ( خطب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المنبر ) فيستحب فعلها عليه . فإن لم يكن منبر فعلى مرتفع ، لأنه أبلغ في الإعلام ، فإن تعذر ، استند إلى خشبة أو نحوها ، لما سيأتي إن شاء الله تعالى ، أنه عليه الصلاة والسلام المكان يخطب ، إلى جذع قبل أن يتخذ المنبر ، وأن يكون المنبر على يمين المحراب ، والمراد به يمين مصلّى الإمام قال الرافعي ، رحمه الله : هكذا وضع منبره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 917 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ الْقُرَشِيُّ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ : " أَنَّ رِجَالاً أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ ، وَقَدِ امْتَرَوْا فِي الْمِنْبَرِ مِمَّ عُودُهُ ؟ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ ، وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى فُلاَنَةَ - امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ - مُرِي غُلاَمَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ ، فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَا هُنَا . ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَيْهَا ، وَكَبَّرَ وَهْوَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ رَكَعَ وَهْوَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ . ثُمَّ عَادَ . فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا ، وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي » . وبالسند قال : ( حدّثنا قتيبة بن سعيد ) سقط : ابن سعيد ، عند أبي ذر وابن عساكر ( قال : حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري ) بالقاف والمثناة المشددة من غير همز ، نسبة إلى القارة ، قبيلة ( القرشي ) الحلف في بني زهرة من قريش ، قال عياض : كذا لبعض رواة البخاري : القرشي ، وسقط للأصيلي ، وكلاهما صحيح ، ( الإسكندراني ) السكن والوفاة ، وكانت سنة إحدى وثمانين ومائة ، ( قال : حدّثنا أبو حازم بن دينار ) بالحاء المهملة والزاي ، واسمه سلمة الأعرج ( أن رجالاً ) ، قال الحافظ ابن حجر ، لم أقف على أسمائهم ، ( أتوا سهل بن سعد الساعدي ) بإسكان الهاء والعين ( وقد امتروا ) جملة حالية ، أي : تجادلوا أو شكوا ، من المماراة ، وهي : المجادلة . قال الراغب : الامتراء والماراة ، ومنه { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا } [ الكهف : 22 ] . وفي رواية عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عند مسلم : أن نفرًا تماروا ، أي تجادلوا . قاله ابن حجر ، وجعله البرماوي كالكرماني من : الامتراء . قال : هو : الشك . قال العيني متعقبًا للحافظ ابن حجر : وهو الأصوب ، ولم يبين لذلك دليلاً . ( في المنبر ) النبوي ( مِمَّ عوده ) ؟ أي : من أي شيء هو ؟ ( فسألوه ) أي : سهل بن سعد ( عن لك ) الممترى فيه ( فقال : والله إني لأعرف مما هو ) بثبوت ألف ما الاستفهامية المجرورة على الأصل ، وهو قليل . وهي قراءة عبد الله وأُبيّ في { عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ } [ النبأ : 1 ] والجمهور بالحذف ، وهو المشهور ، وإنما أتى بالقسم مؤكدًا بالجملة الاسمية ، وبأن ، التي للتحقيق ، و : بلام التأكيد في الخبر ، لإرادة التأكيد فيما قاله للسامع ( ولقد رأيته ) أي المنبر ( أوّل ) أي : في أوّل ( يوم وضع ) موضعه ، هو زيادة على السؤال ، كقوله : ( وأوّل يوم ) أي : في أول يوم ( جلس عليه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) . وفائدة هذه الزيادة المؤكدة : باللام ، وقد ، إعلامهم بقوة معرفته بما سألوه عنه . ثم شرح الجواب بقوله : ( أرسل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى فلانة امرأة ) بعدم الصرف في فلانة ، للتأنيث والعلمية . ولا يعرف اسم المرأة ، وقيل : هي فكيهة بنت عبيد بن دليم ، أو : علاثة ، بالعين المهملة وبالمثلثة ، وقيل : إنه تصحيف فلانة ، أو : هي